فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن الجوزي:

{قالوا ربَّنا غلبت علينا شِقوتُنا}.
قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: {شِقوتُنا} بكسر الشين من غير ألف، وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين العقيلي، وأبو رجاء العطاردي كذلك، إِلا أنه بفتح الشين.
وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والأعمش، وحمزة، والكسائي: {شَقَاوتُنا} بألف مع فتح الشين والقاف؛ وعن الحسن، وقتادة كذلك، إِلا أن الشين مكسورة.
قال المفسرون: أقرَّ القوم بأنَّ ما كُتب عليهم من الشقاء منعهم الهدى.
قوله تعالى: {ربَّنا أخرجنا منها} أي: من النار.
قال ابن عباس: طلبوا الرجوع إِلى الدنيا {فإن عُدنا} أي: إِلى الكفر والمعاصي.
قوله تعالى: {اخْسَؤوا} قال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط، يقال: خَسَأْتُ الكلب أَخْسَؤه: إِذا زجرتَه ليتباعد.
قوله تعالى: {ولا تكلِّمون} أي: في رفع العذاب عنكم.
قال عبد الله بن عمرو: إِن أهل جهنم يدعون مالكًا أربعين عامًا، فلا يجيبهم، ثم يقول: {إِنكم ماكثون} [الزخرف: 77]، ثم ينادون ربَّهم {ربَّنا أخرجنا منها} فيَدَعهم مثل عُمُر الدنيا، ثم يقول: {إِنكم ماكثون} ثم ينادون ربَّهم {ربَّنا أخرجنا منها} فيَدَعهم مثل عمر الدنيا، ثم يردُّ عليهم {اخسؤوا فيها ولا تكلِّمون} فما ينبس القومُ بعد ذلك بكلمة إِن كان، إِلا الزفير والشهيق.
ثم بيَّن الذي لأجله أخسأهم بقوله: {إِنَّه} وقرأ ابن مسعود.
وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: {أنَّه} بفتح الهمزة {كان فريق من عبادي} قال ابن عباس: يريد المهاجرين.
قوله تعالى: {فاتَّخَذْتُموهم} قال الزجاج: الأجود إِدغام الذال في التاء لقرب المخرجين، وإِن شئتَ أظهرتَ، لأن الذال من كلمة والتاء من كلمة، وبين الذال والتاء في المخرج شيء من التباعد.
قوله تعالى: {سخريًّا} قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو حاتم عن يعقوب: {سُخريًّا} بضم السين هاهنا وفي [ص: 63]، تابعهم المفضل في [ص: 32].
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: بكسر السين في السورتين.
ولم يختلف في ضم السين في الحرف الذي في [الزخرف: 32].
واختار الفراء الضم، والزجاج الكسر.
وهل هما بمعنىً؟ فيه قولان:
أحدهما: أنهما لغتان ومعناهما واحد، قاله الخليل، وسيبويه، ومثله قول العرب، بحر لُجِّيٌّ ولِجِيٌّ، وكوكبٌ دُرِيٌّ ودِرِّيٌّ.
والثاني: أن الكسر بمعنى الهمز، والضم بمعنى: السُّخرة والاستعباد، قاله أبو عبيدة، وحكاه الفراء، وهو مروي عن الحسن، وقتادة.
قال أبو علي: قراءة من كسر أرجح من قراءة من ضمّ، لأنه من الهزء، والأكثر في الهزء كسر السين.
قال مقاتل: كان رؤوس كفار قريش كأبي جهل وعقبة والوليد قد اتخذوا فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعمَّار وبلال وخبَّاب وصهيب سِخْرِيًّا يستهزئون بهم ويضحكون منهم.
قوله تعالى: {حتى أَنْسَوكم ذِكْري} أي: أنساكم الاشتغال بالاستهزاء بهم ذِكْري، فنسب الفعل إِلى المؤمنين وإِن لم يفعلوه، لأنهم كانوا السبب في وجوده، كقوله: {إِنهنَّ أَضْلَلْنَ كثيرًا من النّاس} [إبراهيم: 36].
قوله تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليومَ بما صبروا} أي: على أذاكم واستهزائكم {أنَّهم} قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: {أنَّهم}، بفتح الألف.
وقرأ حمزة، والكسائي: {إِنَّهم} بكسرها.
فمن فتح {أنَّهم}، فالمعنى: جزيتُهم بصبرهم الفوزَ، ومن كسر {إِنهم}، استأنف. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}.
قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم {شِقوتنا} وقرأ الكوفيون إلا عاصمًا {شقاوتنا}.
وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن.
ويقال: شقاء وشقًا؛ بالمد والقصر.
وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا؛ فسمى اللّذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤدّيان إليها، كما قال الله عز وجل: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]؛ لأن ذلك يؤديهم إلى النار.
وقيل: ما سبق في علمك، وكتب علينا في أمّ الكتاب من الشقاوة.
وقيل: حسن الظن بالنفس وسوءُ الظن بالخلق.
{وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ} أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى.
وليس هذا اعتذار منهم إنما هو إقرار.
ويدلّ على ذلك قولهم {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت.
{فَإِنْ عُدْنَا} إلى الكفر {فَإِنَّا ظَالِمُونَ} لأنفسنا بالعَوْد إليه فيجابون بعد ألف سنة: {اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي ابْعُدُوا في جهنم؛ كما يقال للكلب: اِخْسأ؛ أي ابْعُدْ.
خسأت الكلب خَسْئًا طردته.
وخسأ الكلبُ بنفسه خسوءًا؛ يتعدّى ولا يتعدى.
وانخسأ الكلب أيضًا.
وذكر ابن المبارك قال: حدّثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة يذكره عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم يَدْعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يردّ عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت والله دعوتهم على مالك وربِّ مالك. قال: ثم يدعون ربهم فيقولون: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}. قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين. قال: ثم يرد عليهم اخسؤوا فيها. قال: فوالله ما نَبَس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزَّفِير والشّهيق في نار جهنم. فشبّه أصواتهم بصوت الحمير، أوّلها زفير وآخرها شهيق. خرجه الترمذي مرفوعًا بمعناه من حديث أبي الدّرداء.
وقال قتادة: صوت الكفار في النار كصوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق.
وقال ابن عباس: يصير لهم نُباح كنباح الكلاب.
وقال محمد بن كعب القُرَظي: بلغني أو ذُكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخَزَنة. الخبر بطوله، ذكره ابن المبارك، وقد ذكرناه بكماله في التّذكرة، وفي آخره: ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون: 105] قال: فلما سمعوا صوته قالوا: الآن يرحمنا ربنا فقالوا عند ذلك {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} أي الكتاب الذي كتب علينا {وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} فقال عند ذلك {اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ينبَحُ بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم.
قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاغفر لَنَا} الآية.
قال مجاهد: هم بِلال وخَبّاب وصُهَيب، وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين؛ كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم.
{فاتخذتموهم سُخْرِيًّا} بالضم قراءة نافع وحمزة والكسائي هاهنا وفي ص. وكسر الباقون.
قال النحاس: وفرّق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التهزّؤ، والمضمومة من جهة السُّخْرة، ولا يَعرف هذا التفريق الخليلُ ولا سيبويه ولا الكسائيّ ولا الفرّاء.
قال الكسائيّ: هما لغتان بمعنًى واحد؛ كما يقال: عُصِيّ وعِصِيّ، ولُجِيّ ولِجِيّ.
وحكى الثّعلبِيّ عن الكسائيّ والفرّاء الفرقَ الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضَّمّ بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل.
وقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل فلا يكون.
والكسر في سخريّ في المعنيين جميعًا؛ لأن الضمة تستثقل في مثل هذا.
{حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي حتى اشتغلتم بالاستهزاء بهم عن ذكري.
{وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} استهزاء بهم، وأضاف الإنْساء إلى المؤمنين لأنهم كانوا سببًا لاشتغالهم عن ذكره؛ وتعدّى شؤم استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم.
{إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا} على أذاكم، وصبروا على طاعتي.
{أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون} قرأ حمزة والكسائيّ بكسر الهمزة على ابتداء المدح من الله تعالى لهم، وفتح الباقون؛ أي لأنهم هم الفائزون.
ويجوز نصبه بوقوع الجزاء عليه، تقديره: إني جزيتهم اليوم الفوز بالجنة.
قلت: وينظر إلى معنى هذا قوله تعالى في آخر المُطَفِّفِين: {فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34] إلى آخر السورة، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.
ويستفاد من هذا: التحذيرُ من السّخريّة والاستهزاء بالضعفاء والمساكين والاحتقار لهم، والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يعني، وأن ذلك مُبْعِد من الله عز وجل. اهـ.